الشيخ محمد رشيد رضا
157
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( خلاصة وتتمة تزيد المسألة وضوحا ، ومذهب السلف ثبوتا ) ( 1 ) الرؤية ليست من أصول الايمان القطعية قد علم مما تقدم أنه ليس في الرؤية البصرية نص أصولي ولا لغوي متواتر قطعي الرواية والدلالة يجعلها من العقائد المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة ، وليست مما كان يدعى اليه في تبليغ الدين مع التوحيد والرسالة بحيث يكون من بجهلها أو ينكرها كافرا ، وانما هي من غريب العلم الاعلى الذي يستنبطه من القرآن كبار العارفين ، وربما كان فتنة لمن دونهم وكذلك كان - حتى إن كبار النظار وعلماء البيان قد اختلفوا في كل من الآيات الثلاث الواردة فيها : في سور الانعام والأعراف والقيامة ، فجعلها بعضهم مثبتة وبعضهم نافية ، والقاعدة في دين الرحمة والشريعة السمحة أن الحجة لا تقوم على جميع المكلفين إلا فيما كان قطعي الدلالة لغة ، وانهم يعذرون باختلاف الافهام في غيره كما علم من واقعة تحريم الخمر والميسر فان آية البقرة تدل على التحريم بمقتضى القاعدة المعروفة عند الفقهاء وهي تحريم ما تغلب المفسدة فيه على المصلحة ويرجح الضرر فيه على النفع ، وقد نطقت الآية بهذا الترجيح في الخمر والميسر ( وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) وهو ما فهمه بعض خواص الصحابة فتركوهما ، ولم يكلف جميع المسلمين تركهما إلا بعد نزول آية المائدة التي هي نص قطعي لا يحتمل التأويل إذ نطقت بأنهما رجس من عمل شيطان وصرحت بالامر باجتنابه وهو أبلغ من الامر بالترك وما من مسألة ذكرت في القرآن بنص غير قطعي الدلالة إلا وللّه تعالى حكمة في عدم القطع بها ، وقد بين حكماء العلماء حكمة ذلك في الخمر والميسر بأن شدة افتتان الناس بهما كانت تقتضي أن يشق على الناس تركهما دفعة واحدة حتى يتعذر على بعض المؤمنين من ضعاف الايمان تركهما ويتعسر على بعض ، وينفر غير المسلمين من الاسلام ، فكان من حكمة الرب ورحمته جل جلاله أن يحرمهما بالتدريج ولا سيما الخمر فإنه أنزل آية تقتضى ترك الخمر في عامة النهار وناشئة الليل وهي قوله ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) فراجع تفسيرها البليغ في سورة النساء - وآية يفهم منها دقيق العلم قوي الايمان التحريم فيتركها في كل وقت وهي آية سورة البقرة ثم صرح بعد ذلك بسنين بالاجتناب على سبيل القطع لولا غفلة العلماء الذين طعن بعضهم في علم المخالف له في مسألة الرؤية وفي